الحقيقة وإن كانت مرة خير من الوهم وإن كان لذيذا


نايف حواتمة: “السوفيات أكدوا لي تسميم بومدين”

كتبهاالشيخ بن خليفة ، في 4 نوفمبر 2009 الساعة: 20:09 م

الزعيم الفلسطيني نايف حواتمة في حوار خاص:

"السوفيات أكدوا لي أن بومدين مات مسموما"

 

* تجمعني صداقة تاريخية مع بوتفليقة

* القدس تستصرخ العرب جميعاً.. فهل من مجيب؟!

* أقمت في الجزائر حين عزّت علينا وضنّت أرض العرب

 

 

 

* كثيرة هي المآثر الجزائرية تجاه قضيتنا

* آن للعرب أن يستيقظوا حفظاً لمصالحهم

 

 

سعدت كثيرا وأنا أتلقى رد القائد الفلسطيني الكبير نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، عبر البريد الإلكتروني على أسئلتي المتواضعة، وأكثر ما بعث في نفسي السعادة ثلاثة أمور، أولها: السرعة في الرد، على غير دأب معظم زعماء التشكيلات السياسية العربية الذين يتحججون في كثير من الأحيان بضيق الوقت وكثرة الانشغالات للتماطل في الرد على تساؤلات الإعلاميين، وثانيا: الإجابات الوافية، حيث أعطى لكل موضوع حقه، ولم يبخل بما لديه من حقائق وأفكار، وثالثا: الكلام الجميل الذي قاله عن بلدي الجزائر، وهو كلام رجل أصيل يقدر مواقف الرجال والأوطان.

وفي هذا الحوار المطول، الذي خص به "أخبار اليوم"، والذي أنجز بمساعدة الأستاذ إبراهيم أبو أشرف، ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الجزائر، يتحدث حواتمة عن رؤيته لبعض القضايا الفلسطينية والعربية، ويقدم ما لديه من معطيات حول ما يعرف بقضية تسميم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، كما يتحدث زعيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن الجزائر، وعن علاقته برئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وأمور أخرى..

أجرى الحوار: الشيخ بن خليفة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رغم المصادقة عليه؛ ما زال تقرير غولد ستون يصنع الحدث في فلسطين وخارجها، ألا ترون أن هذا التقرير الذي يفترض أنه جاء ليفضح الجرائم الصهيونية قد أدى إلى تعمق الشرخ بين التيارات والفصائل الفلسطينية بسبب تباين المواقف منه؟

نايف حواتمة: منذ اليوم الأول دعونا مجلس حقوق الإنسان الدولي إلى إقرار التقرير وإحالته أمام مجلس الأمن وأمام محكمة الجنايات الدولية، لكي لا يفلت مجرمو الحرب من سياسيين وعسكريين من المحاكمة والعقاب.

ولقد كنا أكثر من وقف بحزم ضد استخفاف السلطة الفلسطينية، من خلال موافقتها على تأجيل التصويت على التقرير، وأدنَّاه واعتبرناه جريمة سياسية وأخلاقية بحق شعبنا وضحايا الجرائم المنظمة الصهيونية في قطاع غزة، وباعتباره إرهاب وجرائم دولة، وقدنا إلى جانب العديد من الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، ولا سيّما المؤسسات والجمعيات ذات الصلة بحقوق الإنسان، تحركاً جماهيرياً واسعاً، مما سمح بإعادة التصويت.  

وإننا إذ نقدّر للدول التي صوتت لتقرير "غولد ستون"، ندعوها وندعو كل الدول التي تحترم حقوق الإنسان، إلى متابعة التقرير حتى النهاية، لكي لا يفلت مجرم من العقاب.

بشأن تعميق "الشرخ الفلسطيني" كما ورد بالسؤال، فإن الانقسام الفلسطيني العبثي المدمر لا علاقة له بتقرير غولد ستون الذي كان من المفترض أن نتوحد عليه لا أن نتهرب منه لدوافع فئوية، ويندرج هذا في استغلاله في صراع المصالح الفئوية الانشقاقية.

لقد جاء التقرير ليشكل شهادة على جرائم الحرب المنظمة للدولة الصهيونية، لكنه سقط في واقع فلسطيني بالغ السوء، وواقع عربي أسوأ، فيما نراه حين يقف المجموع في حالة عجز إزاء ما تقوم به "إسرائيل" من جرائم وممارسة، تقع في خانة "جرائم ضد الإنسانية"، وفي أكثر من "مناسبة" دموية ضحاياها الأبرياء، وهنا "جرائم ضد الإنسانية"، هي على حدِّ توصيف ريتشارد فولك المقرر الخاص للأمم المتحدة في فلسطين، ولنوضح أكثر…

أن تأتي الشهادة من غولد ستون أو من ريتشارد فولك، أو من أي اسمٍ آخر ينتمي إلى الدين اليهودي، هي أقوى بكثير مِنْ أن تأتي من جهة تدقيق أُخرى على سبيل المثال، لأن الصهاينة لا يستطيعون اتهام مصدرها "باللاسامية"، أو أي شيء آخر…

لا نختلف مع أحد ـ الفلسطينيون عموماً ـ بسبب دينه أو جنسه أو ثقافته، بل نختلف مع مَنْ هو ضد وطننا وقضيتنا وإلى أي دين انتمى، وما أكثرهم ممن يدعون الإسلام، ويعملون على ضياع الحقوق والأوطان، ويدوسون على كرامة الإنسان، يدوسون على قيّم وشرف الإنسان. وفق هذه الرؤى ارتفعت قضيتنا الفلسطينية، وبالاختلاف معها انحسرت، ولِمَنْ يريد أن يدقق فليراجع تاريخ ثورتها المعاصرة، ومنطلقات فصائلها، والتاريخ الفلسطيني ماثل حتى أمام من لا يُبْصِر.

لنوضح أكثر؛ تعيش الحالة الفلسطينية في أكاذيب مصنعة شُعبوياً دون سأم أو كلل، كما تعيش على وجهها الآخر حالة مديح وتلميع مستمرة دون سأم أو كلل أيضاً، كلاهما يثير الشكوك لأنه يستبعد ويقصي النقد الموضوعي، كلاهما يغتال الحقيقة، لأن كليهما يخاف منها لأنها مسؤولية جماعية، ولأنها تتعلق بالعمل الوحدوي والجماعي، طالما أن القضية الفلسطينية وبالتأكيد هي أكبر من الأفراد، وأكبر من التحزب والفصائل، لأنها قضية الوطن والذي هو فوق الجميع.

الحقيقة اليوم محاطة بصعوبات، لأن ذكرها مدعاة مجابهة الحقيقة ذاتها بكل قسوتها وحدِّتها. ومعلومات اليوم تنتقل بسرعة البرق في فضاءات العالم، كما أن العصر لم يعد يحتاج إلى مصفقين، بقدر ما يحتاج إلى أصحاب مهنية عالية في النقد، وإلى قادة يمتلكون شجاعة الاعتراف بالواقع، مهنية موضوعية في إنتاجية وتقنية النقد حتى في التفاصيل اليومية، ممزوجة بثقافة الإقرار بالحقيقة وشجاعة الاعتراف كي لا يتكرر الخطأ، حين تعيش النخبة بشفافية عالية، بعيداً عن الديباجات التي لا أساس لها على أرض الواقع، فجمهور اليوم له آذانه وعيونه وعقله ويستطيع الوصول إلى الحقيقة مهما أُحيطت بصعوبات وأسوار، وإن كانت مسألة وقت.

ماذا تعني تناقضات حماس حول تقرير غولد ستون؛ لماذا هوجم كيهودي؟!… (جريدة فلسطين الناطقة بلسان حماس في غزة 20/9/2009)، وهمْ تغييب الحقيقة التي تكفلها الشرائع والقوانين الدولية، والتي تقول إن قطاع غزة ما زال تحت الاحتلال، وعليه الحق كله لمقاومة الاحتلال، بل لدعم حركات التحرر تحت الاحتلال، ومدِّها بكل أسباب الحياة.

بل أيضاً؛ يستطيع العرب "العاجزون" ممارسة ضغط؛ ممكن أن يكون مؤثراً نحو تغيير جزئي في الموازين التي تحكم الصراع في الفترة المقبلة، على الأقل أن يتفقوا على التعاون من أجل مقاضاة "إسرائيل" وملاحقة مسؤوليها ذوي الصلة بجرائم الحرب في محرقة قطاع غزة، اتفاق في إطار خطة للتعاون تتشارك بها نقابات المحامين والمنظمات الحقوقية الدولية، وذلك انطلاقاً من وثيقتين، وعلى درجة من الأهمية، الأولى صادرة عن الأمم المتحدة ذاتها، والثانية عن منظمة "هيومان رايتس ووتش الأمريكية" وهي إحدى أكبر المنظمات الحقوقية في العالم.

الوثيقة الأولى استخلص بها ريتشارد فولك (أمريكي يهودي) مفوض الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية إلى حقيقة وحُكُمْ مفاده أن بعض العمليات "التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة يندرج ضمن جرائم الحرب"، وأقام فولك حُكمه على تقييم دقيق ومُوثق حول عدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية"، المعيار الرئيسي لإصدار حُكُمْ عبر تعريف "جريمة الحرب" عبر القانون الدولي، وقد أُعد خصيصاً لمجلس حقوق الإنسان، ويعتبر أساساً قوياً لتحرك يستهدف فتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، وبواسطة أي سلطة قضائية أو دولية، تسمح قوانين بلادها ولوائحها المنظمة لعملها بذلك، وعلى أساس من المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض على الدول الموقعة ملاحقة مجرمي الحرب أينما كانوا وحيثما وجدوا، فضلاً عن اختصاص محاكم بعض الدول في أوروبا، وثمة تجربة وسابقة لمبادرات ذاتية لبعض المحامين العرب في قضايا الجرائم الإسرائيلية.

والثانية: تقرير "هيومان رايتس ووتش" الأمريكية وتحت عنوان "أمطار النار"، والتي ركزت على الفوسفور الأبيض خلال العدوان على قطاع غزة، كما ركزت على الإطلاق العشوائي، أي لسلاح محرم دولياً، وأثبت التقرير ذاته استخدامها…، يعزز هذا تقرير إفادات الجنود الإسرائيليين ذاتهم الذين شاركوا بالعدوان الهمجي، وقد ورد بالصحافة الإسرائيلية ذاتها، على لسان "أفراد من أهل البيت"… وهناك الكثير مما يمليه الواجب إنصافاً للضحايا وحقوقهم التي لا تسقط بالتقادم، ويمكن الاستعانة بالعديد من المنظمات الحقوقية الدولية مثل "التحالف الدولي لمنع الإفلات من العقاب".

نسأل "السلطة" في قطاع غزة؛ هل وثقت إفادات الضحايا الجرحى والمعوَّقين والمتضررين الذين ما زالوا على قيد الحياة؟ هل وثقت للضحايا الشهداء من المدنيين بإفادات الشهادات الحيّة من العائلات والأُسر والأقارب والمعارف والجوار؟ ونقصد هنا شهادات مدونة ومكتوبة ومصورة، موثقة بأبعادها القانونية، أليس من الأجدر تقديمها لبرلمانات العالم، حيث وجدت، وعلى الأقل للبرلمان الأوروبي وللكونغرس الأمريكي، وبثّها في الفضائيات الغربية، مهما كلفت مالياً.

كيف يمكن لنا أن نضع "إسرائيل" تحت ضغط سياسي أخلاقي حقيقي، وبداية لوقف "الاستجداء" اليميني العربي والفلسطيني للمواقف، والإمساك بزمام المبادرة في سياق معادلة الصراع، وفي سياق الجهود لتسويته، طالما أن "السلام خيار إستراتيجي" عربي… !

 

س2: سبقت لكم الإشارة إلى أن حقوق المدنيين وفق القانون الدولي تشترط محاكمة مجرمي الحرب، وأن الذين ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية في حرب "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة يجب أن يحاكموا… هل تعتقدون أن هذا "الحلم" ممكن التحقيق؟

منذ النكبة الكبرى 1948 وحتى اليوم؛ المجازر الصهيونية متواصلة، جرائم حرب بامتياز في فضاء دموي ووحشي صهيوني منقع بدماء الأبرياء، وضد كل ما هو إنساني، أو يمت بصلة للإنسان الفلسطيني، دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، تكسير العظام في الانتفاضة الأولى، مجزرة الحرم الإبراهيمي، مجزرة قانا، مجزرة مخيم جنين، محرقة غزة..

تتعدد أسماء أبطال الإجرام الصهيوني، وتتناسل من دهاقنة الفكرة العنصرية، مروراً بالمجرم شارون في مجزرة صبرا وشاتيلا، ضد الشعب الفلسطيني في مخيمات بيروت التي تعرض أهلها لـ "الترانسفير" والاقتلاع من وطنهم، وصولاً إلى سدنتها الراهنين بيريز وباراك وأولمرت وليفني في هولوكوست غزة 2009، والمجازر لم تتوقف بعد.

في استمرار المذبحة والجنون العنصري البربري؛ تبرز اليوم مجازر نتنياهو رئيس الحكومة الصهيونية المتطرفة؛ بحق الشجر والحجر والبشر في الضفة الفلسطينية والقدس وقطاع غزة، ويقوم الجيش الصهيوني بمصادرة المنازل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لصالح سعار الاستعمار الصهيوني والجدار العنصري.

وتحفل أيضاً المشاهد بالصمود والتضحية الفلسطينية والتي قلّ نظيرها في هذا العالم، المقاومة الوطنية الفلسطينية الباسلة ضد جبروت الاحتلال واختلال موازين القوى لصالحه، بل إن مجازره بما فيها مجزرة صبرا وشاتيلا لم تدخل في مدونات التاريخ العربي الرسمي الذي يكتفي بموقف الإدانة وضرب الأخماس بالأسداس.,,

في الذكريات الأليمة التي لن تمحى من الذاكرة الإنسانية، نطالب جميع المؤسسات الحقوقية العربية والأممية، بتحريك الدعاوي ضد مرتكبي مجازر الحرب الدموية، وتقديمهم للعدالة في محكمة جرائم الحرب الدولية "لاهاي". وأمام العالم تقرير لجنة الأمم المتحدة بارتكاب جرائم حرب أثناء محرقة غزة، وصرحت سفيرة "إسرائيل "في الأمم المتحدة غابريلا شاليف :"سنفعل كل ما بوسعنا لمنع أية ملاحقات قانونية نتيجة التقرير"، وفي وسط حالة من الهستيريا الإعلامية - السياسية التي تعمها ـ إسرائيل ـ انهمك نتنياهو باجتماعات متلاحقة مع وزير خارجيته وعدد من المستشارين السياسيين والقانونيين، في محاولة لاحتواء آثار تقرير لجنة الأمم المتحدة.

فهي ذاتها "إسرائيل " تدرك إمكانية.. وتخشى جرّ قادتها إلى محكمة "لاهاي".

"وحلم محاكمة مجرمي الحرب" ممكن وممكن جداً أن يتحقق وله شرطان أساسيان الأول "إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية عملاً بقرارات الحوار الشامل الذي تراجعت عنها حماس وفتح منذ مارس 2009 حتى الآن والثاني: لجنة من الرؤساء والملوك العرب تضع خطة ملموسة لصياغة العلاقات مع واشنطن وفق معادلة مصالح أمريكا مقابل المصلحة العربية المشتركة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية تجاه شعب فلسطين بتقرير المصير والاستقلال وعودة اللاجئين ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

 

س3: حتى الآن عجزت فصائل المقاومة الفلسطينية من جهة، والسلطة الفلسطينية من جهة ثانية عن إنهاء خلافاتها، هل يمكن الطموح لتحرير الأرض قبل توحيد الصف؟ وما هي قراءتكم لأسباب هذه الخلافات؟

خبرة التاريخ، وقانونية حركات التحرر، وخلاصة خبرة الثورة الجزائرية العظيمة، تقول بالوحدة الوطنية في جبهة تحرير وطني موحدة، تتسع ديمقراطياً لكل طبقات وفئات الشعب الوطنية التي تعمل على دحر الاحتلال، نحو وطن حر مستقل وسيد؛ هذه هي منطلقاتنا.

حرصت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مع انطلاقتها أن تكون من بين الركائز الأساسية في أول ائتلاف وطني لتوحيد العمل الفدائي بقيادة "الكفاح المسلح"، وفي مؤسسات منظمة التحرير وعضوية المجلس الوطني واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه (الدورة السادسة في أيلول/ سبتمبر 1969)، وتقدمت إلى هذه الدورة "بمشروع لتحقيق وحدة القوى والفئات الوطنية الفلسطينية في جبهة تحرير وطني موحدة". وحفزت الظروف الصعبة التي تجمعت عن أحداث أيلول/ سبتمبر 1970، على إدراك ضرورة الارتقاء بصيغة الوحدة الوطنية، وأبرزت أن "الجبهة المتحدة" المطلوبة هي في الواقع تلك التي تضم جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، والمطلوب بناؤها على أسس أكثر تنظيماً ومتانة، وعلى قاعدة التمثيل النسبي الكامل، وتبلورت هذه الصيغة في المشروع الذي تقدمت به الجبهة إلى الدورة التاسعة للمجلس الوطني (تموز/ يوليو 1971) لبناء "جبهة تحرير وطنية فلسطينية متحدة"، وفي المشروع السياسي والتنظيمي المتكامل لإنجاز الوحدة الوطنية في إطار جبهة متحدة على أسس ديمقراطية الذي تقدمت به لاحقاً إلى الدورة العاشرة للمجلس الوطني ( نيسان/ إبريل 1972).

وواصلت الجبهة السياسة الوحدوية الديمقراطية التعددية بقوانين التمثيل النسبي في قرارات إعلان القاهرة (آذار/ مارس 2005) ووثيقة الوفاق الوطني (غزة / يونيو/ حزيران 2006) ودورات المجلس المركزي لمنظمة التحرير (حزيران/ يونيو - تموز/ يوليو 2007، كانون الثاني/ يناير 2008).

تجربة الجبهة الديمقراطية في استقلالها الفكري والسياسي والتنظيمي وفي حفاظها على الوحدة الوطنية بنفس الوقت، تؤكد العلاقة الحيّة لليسار الثوري الديمقراطي الفلسطيني في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، فهذا اليسار لم يستقل لينعزل، إنما ليندمج في الوحدة الوطنية اندماجاً ثورياً وديمقراطياً صحيحاً، وليلعب دوره في إطار هذه الوحدة كطليعة مناضلة تملك الخط السياسي الصحيح الذي من خلاله تتحدد الشعارات الوطنية والمهام المرحلية التي تنسجم مع المصلحة الجماعية للشعب الفلسطيني بأسره.

الموقع المركزي الذي احتلته مسألة الوحدة الوطنية في الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية وممارستها لم تبرز وتتقدم فقط في السنوات الأولى أثناء فترة العمل العلني في الأردن وعلى امتداد تجربة الثورة في مخيمات الشتات في لبنان وسوريا حتى اجتياح العام 82، بل برزت بشكل واضح في زمن الانقسامات الحادة التي اجتاحت الساحة الفلسطينية بعد هذه الحرب ضمن تداعيات الغزو الإسرائيلي وصراع المحاور الإقليمية للتأثير بقرار منظمة التحرير الفلسطينية، ومحاولات الجناح اليميني المتنفذ في قيادتها الرسمية البحث عن نقاط تلاقي في منتصف الطريق مع مشاريع التسوية التي طرحت في مطلع الثمانينات لا سيما مشروع ريغان (1/9/82).

اتخذت الجبهة الديمقراطية موقفاً حاسماً ضد الانقسام الفلسطيني على امتداد السنوات 83 ـ 87، ولعبت دوراً مبادراً في التحالف الديمقراطي الذي وقع مع قيادات اللجنة المركزية لحركة فتح على اتفاق اليمن (عدن) ـ الجزائر (28/6 و 9/7/84)، هذا الاتفاق الذي وإن لم ينجح في إعادة الوحدة ومنع انفراد جناح اليمين ويمين الوسط الرسمي المتنفذ في م. ت. ف. بالدعوة للدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني في عمان (17/11/84). حيث عارضت الجبهة نتائج مجلس عمان السياسية التي شكلت انقلاباً على برنامج حق تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة وحق تمثيل م.ت.ف للشعب الفلسطيني وما انبثق عنه من صيغ تنظيمية انقسامية، لكنها في الوقت نفسه تصدت بحزم لمحاولات الطعن بشرعيته خوفاً مِنْ ودرءاً لمخاطر انقسام لا رجعة عنها داخل م. ت. ف. تزجها على نحو غير مسبوق في حقل التجاذبات العربية وصراعات محاورها، وتزيل بفعل ذلك العقبة الأهم أمام تقدم الحلول المنقوصة للحقوق الوطنية برعاية الولايات المتحدة. لهذا شكل المجلس التوحيدي الذي انعقد في الجزائر (نيسان/ابريل 1987) محطة فائقة الأهمية وطنياً حققت انتصاراً لسياسة الجبهة الوحدوية، وتوفرت معها إحدى العوامل الرئيسية لانعقاد شروط انطلاقة الانتفاضة الشعبية الكبرى في ك1 / ديسمبر 1987 وتشكيل "القيادة الوطنية الموحدة" للانتفاضة بمبادرة من الجبهة الديمقراطية وضمت فتح، ديمقراطية، شعبية، حزب شيوعي، وقدمت الجبهة الديمقراطية برنامجها الموحّد، برنامج "الحرية والاستقلال" وصدر هذا في البيان رقم 2 للقيادة الموحدة وصاغته الجبهة الديمقراطية (راجع كتاب حواتمة "اوسلو والسلام الآخر المتوازن").

الاختبار الثاني الذي تعرضت له الوحدة الوطنية أتى على يد اتفاق أوسلو عندما أطاح بالإطار السياسي لائتلاف م.ت.ف. فواصلت الجبهة سياستها التوحيدية بثبات وأطلقت عدداً من المبادرات في سياقها السياسي الملموس دارت بمجملها حول الحوار الوطني الشامل من أجل استعادة الإجماع الوطني حول القضايا الراهنة ومفاوضات الوضع الدائم وإعلان استقلال دولة فلسطين على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 بعد أن وصل أوسلو إلى نهايته القانونية في أيار/ مايو1998. وأطلقنا مبادرات عديدة من حقيقة أن السمة الأساس للحركة الفلسطينية باعتبارها ما زالت تقف أمام مهام التحرر الوطني، رغم تداخلها بعد تطبيقات اتفاق أوسلو مع مهام النضال الديمقراطي السياسي والاجتماعي، تملي ـ موضوعياً ـ صون الائتلاف الوطني والنضال من أجل استعادة الوحدة الوطنية في إطار م. ت. ف. والانقسام القائم بين "السلطة الفلسطينية" والمعارضة لا يلغي من حيث الجوهر هذه الحقيقة وأن طبعها بخصائص معينة.

الاختبار الثالث يتواصل حتى يومنا بعد سلسلة الانقلابات والتراجعات السياسية والتنظيمية الانقسامية عن إعلان القاهرة (آذار / مارس 2005)، وجولات الاقتتال والانقلابات السياسية والعسكرية عن برنامج وثيقة الأسرى وثيقة الوفاق الوطني (حزيران / يونيو 2006 في غزة) والتي قادت إلى انهيار اتفاق المحاصصة الثنائي بين فتح وحماس وهيمنة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة (14 حزيران / جوان 2007)، فقد أطلقت الجبهة المبادرة "لإنهاء الانقسام" و "إعادة بناء الوحدة الوطنية وكسر حصار قطاع غزة" في 4/7/2007، وعليها تم بناء مبادرة الجبهتين الديمقراطية والشعبية بـ 27/10/2007، والمبادرة الثلاثية بالتنسيق بين الجبهتين والجهاد الإسلامي في 6/12/2007، وإعلان المبادرة الموحدة لتسعة فصائل مقاومة والشبكات الأهلية للمجتمع المدني وشخصيات مستقلة سياسية وأكاديمية وازنة في 10/4/2008 للضغط على فتح وحماس لإنهاء الانقسام والعودة لتطبيق وثيقة الوفاق الوطني الوحدوية الائتلافية الشاملة (راجع كتاب حواتمة "الانتفاضة – الاستعصاء / فلسطين الى أين".

أما اليوم وانطلاقاً من فكرنا السياسي ورؤيتنا الواقعية، رأينا بالورقة المصرية "اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني/ القاهرة 2009" خطوة في طريق مسدود، نتيجة التفاف حماس وفتح على الحوار الوطني الشامل، وتعطيله منذ آذار/ مارس 2009 حتى الآن.

وإننا إذ قيّمنا جولات حوار المحاصصة في القاهرة، بأنها لم تلتزم بنتائج الحوار الشامل وقراراته في 19 آذار/ مارس 2009، وتراجعت وارتدت إلى الخلف بحثاً عن توافقات محاصصة ثنائية لتقاسم السلطة والمال والنفوذ بين فتح وحماس، وهذا الذي أدى إلى تعطيل توقيع "اتفاقية الوفاق الوطني".

وإننا إذ ندعو إلى استئناف الحوار الوطني الشامل، والبناء على نتائج وقرارات 26 شباط/ فبراير و 10 ـ 19 آذار/ مارس 2009 باعتباره الطريق الرئيسي للتطوير الديمقراطي التوحيدي للورقة المصرية، وتحديداً رفض اللجنة المشتركة كما وردت في الورقة، باعتبارها تكريس للانقسام و "صوملة" بين قطاع غزة والضفة "كيانين، حكومتين"، بدلاً عن حكومة وفاق وطني واحدة كما دعا الحوار الشامل بالقاهرة (آذار/ مارس 2009).

كما ندعو إلى حل التناقض في قوانين الانتخابات، كما وردت في الورقة لصالح قانون واحد بالتمثيل النسبي الكامل، وبدون عتبة حسم لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني الجديد الموحد) والسلطة (المجلس التشريعي) لبناء الوحدة والشراكة الوطنية الشاملة، لأن القانون المختلط الذي يسعى له طرفي المحاصصة (فتح وحماس) يعيد إنتاج الانقسام والصراع على المحاصصة الاحتكارية الثنائية.

 

س4: تعيش مدينة القدس حرب استنزاف حضارية، ويحاول الصهاينة تدمير كل شبر يرمز للعروبة أو الإسلام… ماذا فعلت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لوقف هذا التكالب، وما المطلوب من العرب والمسلمين بهذا الشأن؟

الجبهة الديمقراطية قاتلت داخل القدس والأرض المحتلة منذ انطلاقتها عبر "كتائب النجم الأحمر" ومن خطوط التماس مع المحتلين في الأردن والجولان السوري وجنوب لبنان بكتائب "القوات المسلحة الثورية"، ونهضت مع القوى الأخرى بالقيادة الموحدة للانتفاضة (87 – 1993) والانتفاضة الثانية "بكتائب المقاومة الوطنية المسلحة" في فلسطين المحتلة، وضد الانقسام والعودة للشعب بانتخابات تشريعية ورئاسية وفق قوانين ديمقراطية توحيدية لكل مكونات الشعب قوانين التمثيل النسبي الكامل.

تعيش القدس "الشرقية منذ 1967" مخاطر التهويد التي تجري على قدمٍ وساق، وفي حالة من السعار الاستيطاني المحموم لحكومة نتنياهو المتطرفة، يومياً نطالب السلطة الفلسطينية بالتوجه المدروس إلى مجلس الأمن الدولي والجمعية العمومية لاستصدار قرار بوقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال، لا التهديد بالتوجه إليه كما تفعل.

نحن نطالب المجتمع الدولي والرأي العام الأوروبي عبر البرلمان الأوروبي، بإلزام حكومة "إسرائيل" بوقف عمليات مصادرة أرضنا والسطو على ممتلكات شعبنا في القدس وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، استجابت فرنسا وغيرها لدعواتنا التي اعتبرت أن "المشروع الاستيطاني هذا يثير قلقاً بشكل خاص"، لكن هذا لا يكفي في ظل الغياب الرسمي العربي، والانشقاق الفلسطيني العبثي المدمر، والعديد من البلدان الأوروبية رأت أن "الإجراءات الاستيطانية تهدد إقامة دولة فلسطينية قابلة للاستمرار، لا يمكن من دونها أن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط، ولا أمن دائم لإسرائيل".

من المفترض عربياً العمل على كافة مستوياته، بدءاً من دعم صمود المقاومة مادياً، وتحشيد الرأي العام العالمي، والمنظمات الحقوقية وصولاً إلى قرارات أممية واضحة حول هذه المخاطر، يغيب هذا عن الواقع الرسمي العربي، كما أن الانشقاق الفلسطيني العبثي المدمر هو خارج حالة الفعل الوطني المطلوبة والضرورية جداً.  

إن عدوان قطعان المستوطنين على القدس وبالتحديد اقتحام باحة المسجد هو مؤشر كبير على السياسة العدوانية لحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، بسماحها للمستوطنين اقتحام الأقصى وذلك بحماية من قوات الأمن الإسرائيلي، ومؤشر على الأوضاع الصعبة في الأراضي الفلسطينية، وتذكرنا بما فعله السفاح شارون؛ سفاح صبرا وشاتيلا عام 1982 عندما اقتحم ساحة المسجد الأقصى، مما أدى إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية مجيدة ثانية، هذه الانتفاضة التي اندلعت عام 2000 وتواصلت على امتداد ست سنوات كاملة.

الآن يتم استنساخ ما فعله شارون على يد مجموعات يمينية متطرفة تطلق على نفسها "أبناء الهيكل"، أي الذين يسعون إلى تدمير المسجد الأقصى، ورد الفعل كان جماهيرياً وواسعاً بمحاصرة هؤلاء المعتدين، كما كان ايذاناً للشعوب العربية والمسلمة بأن هذه الاعتداءات تؤدي إلى إنتاج عوامل انتفاضة ثالثة، ونقول بكل وضوح لو كانت الوحدة الفلسطينية قائمة لاندلعت شرارة انتفاضة ثالثة ولكن الانقسام في الصف الفلسطيني يشكل المكسب الأكبر لدولة الاحتلال.

القدس تستصرخ العرب جميعاً "واقدساه"، وينبغي ان تكون الإجابة جماعية، فهل من مجيب؟!

 

س5: تدور حرب إعلامية طاحنة بين السلطة الفلسطينية وقناة الجزيرة الفضائية… ما موقعكم وما موقفكم من هذه الحرب؟

بدايةً أود أن أشير إلى أن المشهد الفضائي العربي، والمشهد المقروء؛ يظهران تحولات نوعية في مجالات الفعل السياسي من زاوية التحشيد، كما يظهران تحولات نوعية في مجالات الفعل والإبداع المعاصرة، فلم تعد موضوعات السياسة والفكر والثقافة والإبداع بثباتها الأول في سياق الحدود السالفة. وهذا التحول العالمي شامل متحرر من ثقل القديم، بيد أن الواقع الفعلي العربي مجهد عن المواصلة، رغم الاختراقات الثورية في وسائل الاتصالات وأساليب الكتابة، فلا نجد في الترددات الفضائية العربية مضامين تجديد القراءة والرواية، مضامين الحداثة وجوهر ثقافتها، حيث يحكم واقع البناء العربي الرسمي هاجس التحديث والتجديد، وعدم التخلص من أثقال القديم السلبي الذي لم يعد مُجدياً في الطريق إلى المستقبل.

هنا ينبغي أن أُشير إلى جملة من التساؤلات على كل مؤسسة إعلامية أن تجيب عليها، إذا كانت تؤمن بالتغيير والتأثير الإيجابي على متلقيها وجمهورها: وهي إلى أي معايير تخضع؟ بماذا تنطلق، وما هو دور الحقيقة على أرض الواقع؟ والمعلومة من طرفّيها وعموم أوجهها، بوضعها على طاولة الموضوعية والصراحة التي ينبغي أن تعالج بها الموضوعات والمعلومات، وبفرص متكافئة من جميع أطرافها، أو المعبرين عنها كحالة موضوعية.

إن أغلب الفضائيات تتسم بنمط خطاب أقل ما يوصف به هو الدعائي، استعراضي ويسعى لتركيب الخارطة الفلسطينية وحشرها يمين تقليدي – يمين سلفي/ أصولي، وشطب دور الشعب بمكوناته وتياراته المتعددة الحزبية والنقابية والمهنية والفكرية، وفي غابة الفضائيات الناطقة بالعربية والموجهة لها، يبرز خلل الأحادية الدعائية التي يتسم بها خطابها الإعلامي، وطغيان الدعاية والترويج لأفكار تعود إلى الخلف، إلى الموروث السلفي القدري، وتغليب النقل على العقل، على حساب المعايير المهنية، وموضوعية ما يبث من مناهج، ويجري هذا في عصر السماوات المفتوحة.

مهمة تكريس وإشاعة الوعي والمنهج الحديث، يغيب في التوجهات المُضمرة والمعلنة لتكريس الخطاب الأحادي، وإن لم يبرز هنا أو هناك مباشرة مشاهد التزمت والتعصب لفكر معين، لكنه يبث عبر "الرمز" إما الصورة أو الجملة بداخل النص فحوى الرسالة، الأمر الذي يحجب إشاعة الوعي العام. كما أن تفرع بنية وسائل الإعلام يضيف شيئاً من عدم التنظيم والوضوح، فالمتلقي يقع فريسة الرسائل المسؤولة وغير المسؤولة، وهي ذاتها التي ينبغي نقاشها وأساليب إيصالها كموضوع على طاولة الموضوعية للمعالجات، والتجرد من الإدخال على الوسيلة الإعلامية العديد من الرموز التي تذهب نحو ترسيخ ما أو إلحاق ضرر ما، بقصدٍ أو دون قصد. بينما ينبغي أن ترسو على طريقة بنائية، على مدرسة الموضوعية والمهنية، وأن نجهد لكي نتبصّر علمياً بما نضطلع وبما نؤثر، عبر مراكز مراقبة وتقييم أداء، حينذاك نصل إلى مستوى الموضوعية التي من المفترض أن نقطعها على أنفسنا للرأي العام والضمير الصحفي والمهني، بروح جديدة وبتماسك علمي، ومعرفة العلة والمعلول وبعيداً عن انحراف القصد والمقصد، بعيداً عن أي انحراف أو مُضمرْ أو إنتاج استهلاكي، المسعى الذي يفقد جهد التغيير المتجرد من الولاءات الضيقة بل مشاهدة إعادة تشكيل الوعي.

بعد السمات العامة في الإجابة على السؤال حول "الجزيرة"، وهي إضافة بدأت ولسنوات ليبرالية تقوم على كشف المستور، وتراجعت خطوة خطوة والآن إلى ايديولوجية يمينية وسلفية / أصولية للفضاء العربي والمسلم، سواءً في شبكتها العامة أو "الجزيرة" الأخبارية؛ سبق لي في إحدى الحوارات أن قدمت ملاحظة نقدية لها قبل أن تبدأ الأسئلة الحوارية، وهي فضائية تتمتع باحتراف مسقوف بأيديولوجيا ووظائف سياسية محددة وتغطيات واسعة، فوسائل الإعلام هي الرقيب الأمين على قضايا الناس وطرق تفسيرهم للأحداث والظواهر، وهنا قد يقع الزلل والقصور، أساسه هل نستطيع التمتع بهذه الحرية عربياً وسط تشابك المصالح والضرورات؟…

هكذا نكون دوماً أمام الامتحان الصعب، الذي يستوجب زمناً نضالياً لحماية الإنسان وضمان مستقبله الوطني والاجتماعي، فالحرية الإعلامية ذات اللون الواحد لا تكفي، بل تكون مقصوصة الجناحين، لا يستطيع أحد أن يتمتع بها طالما تفتقد لقابلية أن تتحول إلى تحرير العقل وحريته، وخبز وثياب وكرامة وسعادة إنسانية.

 

س6: رفع عدد من العلماء والدعاة نداء للشعوب العربية والإسلامية لمقاطعة منتوجات يذهب جزء من ريعها إلى الكيان الصهيوني، هل ترون أن حملات المقاطعة يمكن أن تجدي نفعاً في ظل الواقع الفلسطيني المتأزم؟

الواقع المأزوم نتاج الانقسامات العربية – العربية والشرق اوسطية وتمويلها بمليارات الدولارات للانقسام الفلسطيني "وصوملته" فضلاً عن التدخلات الدولية والاسرئيلية، وفق المصالح القُطرية والاقليمية، هذا اولاً وبالاساس.

ثانياً، ندعم كل الجهود لإنصاف ودعم نضالات شعبنا، نعم المقاطعة سلاح هام في أدوات المواجهة، انظر مثلاً إلى حملة الجامعات البريطانية بمقاطعة التواصل مع نظيراتها الإسرائيلية، والجهود الأوروبية الموحدة لمنع استيراد منتجات الاستعمار الاستيطاني في الضفة الفلسطينية.

كما أرى أن هذه الجهود ينبغي أن تكون عبر موقف عربي مانع واحد، في سياق خطة إستراتيجية متكاملة، تتجاوز حالة الانقسام العربي الراهن.

 

س7: صرحتم قبل فترة بأن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد تم تسميمه بنفس طريقة تسميم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وإذا كان هناك إجماع فلسطيني وعربي تقريباً على صدق فرضية تسميم عرفات، فإن النهاية الغامضة لبومدين ما زالت تثير الجدل في الجزائر، رغم أن الشارع يميل إلى تصديق فرضية التسميم… ما هي معلوماتكم بهذا الشأن، وما الذي يجعلكم متيقنين من فرضية تسميم بومدين، مَنْ سمّمه؟ ومن له مصلحة في إنهاء حياته بهذه الطريقة التراجيدية؟

"عملية تسميم" الرئيس بومدين تمت داخل الجزائر، وبنوع من السموم البطيئة جداً لا يمكن اكتشافها إلاّ في مرحلتها الأخيرة، وبعد أن يصبح قطار العلاج قد فات. وهذا ما كان…

في رحلته العلاجية الوحيدة لموسكو والمتأخرة عن وقتها، اكتشف الأطباء السوفيات المرض، وأن السموم أوغلت وتوغّلت، لم يعد للعلاج دور، عاد الرئيس إلى البلاد، وسرعان ما دخل في الغيبوبة (الكوما).

معلوماتي مؤكدة من القيادة السوفياتية حينذاك، ولا زال عدد من تلك القيادة الذين يعلمون الوقائع أحياء حتى يوم الناس هذا.

القيادة السوفياتية أبلغت المعنيين فور عودة الرئيس وهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة، وكانوا في قيادة جبهة التحرير الجزائرية، وهم موجودون الآن في الجزائر وبيدهم الإعلان عن ذلك، وبالتأكيد لدى أرشيفهم ما يشير إلى ذلك، هناك حالات شبيهة في العقود الأخيرة، حالة اغتيال الأخ ياسر عرفات (أبو عمار) مختلفة، فتدبير "التسميم" قامت به الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بزعامة شارون، وخطوات التسميم تمت بالأدوية والأغذية التي كان يتناولها عرفات. التسريبات التي سبقت في الصحافة الإسرائيلية رحيل عرفات لم تتوقف وكانت مستمرة وبانتظام أن عرفات في طريقه للموت المؤكد.  

 

س8: كثير من زعماء الفصائل الفلسطينيون يرتبطون مع الجزائر بقصة ما… وعلى نحو ما، فهل من قصة للسيد حواتمة مع الجزائر؟

لا يمكن لنا أن ننسى الجهود الجبارة التي بذلتها الجزائر، رئيساً وحكومة وشعباً تجاه المؤتمر الوطني التوحيدي (الدورة 18 العادية بين 20 ـ 25/4/1987 في الجزائر ـ قصر الصنوبر)، الذي أعاد الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي الدورة غير العادية للمجلس الوطني الفلسطيني ما بين 12 ـ 15/ 1988، وأطلق "إعلان وثيقة استقلال فلسطين"، وهذا لا ينسى كمحطة هامة ورئيسية في تاريخ ثورتنا.

أكثر من قضية وقصة كبرى وقعت بيني وبين الرئيس بومدين، الرئيس الشاذلي بن جديد، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأعتقد أنه لم يحن وقت نشرها، نشرت وقائع حوارات سياسية مع بومدين وعدد من القيادة في كتابي "حواتمة يتحدث".

كثيرة هي المآثر الجزائرية تجاه قضيتنا، التي لا يمكن حصر سيرتها السياسية في حوار…

 

س9: صدر لكم مؤخراً كتاب "اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير.. نقد وتوقعات"، قدمتم من خلاله رؤيتكم للخيارات المتاحة أمام العرب من أجل اللحاق بركب النهضة، في رأيكم هل ما زال الخيار الاشتراكي الذي تتبنونه صالحاً للنهوض بالأمة العربية؟

في كتابي النقدي الأخير "اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير… نقد وتوقعات"، أؤكد هذه الخلاصة، وهو الحل الإنساني النبيل، والحلم الإنساني التاريخي، والحل العربي نحو تحرير العقل والتقدم والعدالة الاجتماعية، كما أنه لن تتوقف الإنسانية عن بحث الصيغ الأفضل للتطبيق، ونحن نرى ما يدور في أمريكا اللاتينية من توجهات نحو اليسار، فضلاً عن اشتراكية دول الضمان الاجتماعي؛ الصحي، التعليمي، الوظيفي والتقاعدي في مجموعة دول الإسكندناف، وما يدور الآن في الصين والهند وفيتنام، وعلى الضفة الأخرى في بلدان المركز الرأسمالي والولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، اليابان، مجموعة العشرين بالأخذ من حلول التجارب الاشتراكية لحل الأزمة في الرأسمالية بتدخل الدولة بالتأمين (بنوك، شركات عملاقة) وبالشأن الاجتماعي والصحي ومثال هذا ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية بانهيار نظريات اليمين الجمهوري "نهاية التاريخ"، "صراع الحضارات"، "صراع الأديان" وانهيار وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي "بالخصخصة والأسواق تضبط نفسها"…

لكنني في هذا الكتاب تناولت الجدران العازلة المانعة للتطور العربي والتي ينبغي تفكيكها، فالأهداف على المستوى العربي الراهنة، تختلف عن تلك الدول المتطورة، خاصةً إذا ما أخذنا أدوات القياس للنهوض والتقدم وتحديد التخلف، الممثل على أساس النسبة الثلاثية وقد غدت شهيرة عربياً: "الأمية والجهل؛ الفقر والمرض"، ومعها ومصحوبة بها درجة التنمية وحال المرأة وحقوق الإنسان، ومدى التسامح السياسي والاجتماعي والاعتقادي وحرية الرأي. نابذاً أية ذرائع تدعي "خصوصيات ثقافية ـ ايديولوجية": العراقيل الكأداء الصماء لسطوة التخلف والطغيان، على حساب تقدير العلم واحترامه ودعمه في الفكر العربي، وفي التضاعيف المعرفة غائبة. بل هي الغائب الأوحد، وعلى اختلاف المذاهب التي تنبذ التأسيس العلمي ـ المعرفي، وذوات "النقل على العقل" في التعميم الطاغي والظاهر، فالعقل في إجازة تاريخية مديدة منذ: "انهيار دار الحكمة وتقديم العقل على النقل، وطغيان النقل على العقل بحرب أهلية شاملة زمن الخليفة المأمون عام 813 ـ 833 م، أدت إلى الإطاحة به وقتله، وتفكيك الدولة والمجتمع إلى ممالك وإقطاعات على يد البويهيين والسلاجقة والأتابكة والمماليك، تقاسموا السلطان والبلاد والعباد، وصولاً إلى هيمنة الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية، والتخلف التاريخي الطويل الأمد حتى مطلع القرن العشرين…" (ص 15).

منذ ذلك الزمن والعرب يودعون قرناً ويستقبلون آخر دون أن تتحرك بهم عربة التاريخ، فهم أمام الجدران العازلة للمعرفة، العازلة للعقل الجمعي، في إجازة تاريخية مفتوحة مديدة، جدران أمام الانطلاق نحو المستقبل، والمطلوب تثوير الفكر العربي بعد أن خرج من خانة العلم والبحث؛ إلى ذاكرة "شيوخ الزوايا" وعاهة التضخم الإيديولوجي السلفي/الاصولي، على حساب الابستمولوجيا مما سبب في عاهات الإعاقة المديدة.

وهكذا لا نقف عند حدود الراهن في معالجة ثلاثية التخلف البنيوي "الجهل والفقر والمرض"، فهي ظواهر ناجمة عن العلة الأساس الأكثر خطورة وأعمق أثراً موغلاً في العقل العربي، وهو يشير إلى التخلف المجتمعي الناجم عن تكلّس البنى المجتمعية التقليدية، وتكلّس ذهنيتها وفكرها، من عشائر وقبائل وجهوية وسمَّت "الدولة" والأدق؛ السلطة العربية وبنائها، وبما تحمل من انحطاط بنى تحتية، رغم قشرة "حداثة" عواصمها، وفي جوهرها بوادٍ وأرياف لم تتمكن من الذوبان في المجتمع المدني. هذه البنى الانحطاطية تعيد إنتاج ذاتها إنساناً وتنظيماً وسلوكاً وفكراً. في مقاومة المعرفة وحرية الفكر، ناهيك عن تحطيم شامل لحقوق المرأة.

تحدق ملياً هذه المعالجات الجريئة في مشهد الظلام، والارتطام بالواقع المعاصر، وبعضها يهرب بتبريراته نحو "مقاومة الإمبريالية والصهيونية"، على حساب الأسباب الموجبة لهذه المقاومة، فالمواجهة المدعاة لا يتقنها سوى مجتمع سيد حر ديمقراطي؛ كي تكون هذه المواجهة فاعلة ومثمرة.. لا سلسلة هزائم. وتبرز الدعوة هنا موجهة لقوى الإصلاح والتغيير من صف اليسار، حيث لا يمكن لها أن تنجح في مسيرتها دون معالجة الظواهر المزمنة، ولا يمكن لها أن تنجح دون تلاقيها مع الشعوب تحت هدف بناء المجتمع المدني ـ الوطني كقاعدة للدولة والنظام الديمقراطي المؤسس والقائم على المشاركة الشعبية الأصيلة، المثقفة بروح الدستور وسلطة القانون العام الذي يعيشون في ظله، التثقيف الكافي الذي يؤهل للمشاركة في الحياة السياسية المتفاعلة سلمياً، لتجاوز الوضع المتأزم على الصعيدين النُظم العربية ومعارضاتها، نحو الاندماج الاجتماعي الوطني، وحل إشكالية الإثنيات والقوميات والبنى التحتية المتكلسة العشائرية والمذهبية، لصالح مفاهيم الخيار الديمقراطي، وفكرة المواطنة الملموسة عملياً، باعتبارها البنية الأساسية للدولة التي ينبغي أن يكون دستورها المُنظم الأساسي للاجتماع السياسي، حين تُنتج السلطة من الدستور ذاته، وبالإدراك هنا أن الأحزاب هي المكون الرئيسي للعملية الديمقراطية.

يحسن بنا أن نقف متعمقين إزاء الهدف، فالهدف الذي نبتغيه هو إنشاء مجتمعات مدنية حديثة، متحررة من القيود الإقطاعية والموروث القدري الدافع إلى الخلف. مجتمع الإنتاج بعيداً عن سطوة الايديولوجيا والتراث، مجتمع القاعدة المادية والثقافية لفكرة المواطنة والديمقراطية. هنا يرتطم الهدف بصخرة وجدران واقع المجتمعات العربية. أما حول العدالة الاجتماعية مرة أخرى فالرؤيا هي أن "الخلاصة التاريخية تشير أن الاشتراكية تجسد أماني ومعاني نبيلة في وجدان الناس، ولهذا عليهم ابتكارها من جديد، كضرورة للعمران الديمقراطي داخل الشعب الواحد، وبين الأمم والدول في الإطار الكوني الكبير، فالعدالة الاجتماعية مستقبل البشرية، أمامنا وليست خلفنا". (ص 64).

في النموذج التطبيقي للإصلاح والتغيير ونموذج المجتمع المدني ومفهوم الدولة الديمقراطية، يفتح الكتاب الأبواب على التاريخ مستنداً على علمه، على خلاصات تجارب الشعوب، وخلاصات التجربة الإنسانية، ويمكن تتبع نموذجه التطبيقي الذي يبدأ من الثورة الفرنسية وصولاً إلى التغييرات اليسارية في الصين، الهند، فيتنام، كوبا، والمعاصرة في أمريكا اللاتينية، التي كانت تسمى "الحديقة الخلفية لواشنطن"، وهو يؤكد أن كل شيء ينبع من المجتمع ـ مِنْ وعبر ـ علاقات الإنتاج والوعي المجتمعي، ويبرز هنا النموذج الأمريكي اللاتيني؛ ونضالات شعوبها خير تعبير عن استقرار الدولة، مع تسليط ضغوط قوية من المجتمع على الدولة والسلطة ذاتها، دفعاً بتطوير دورها وموقعها بالنسبة للعلاقات والمصالح الاجتماعية والطبقية المتباينة، فالتجربة الفذة في أمريكا اللاتينية هي أن الضغوط الشعبية هناك؛ قد مورست على السلطة ـ الدولة وعلى الأحزاب اليسارية عموماً والديمقراطية خصوصاً ـ في المعارضة ـ لتأخذ زمام دورها التاريخي، أي أن الجماهير استبقت في مواقفها أحزابها، الأمر الذي يؤكد المنحى العملي الذي رسمه حول النهوض بوعي المجتمع، والقائم على تطور الفكر السياسي حول الدولة وتطوير وظائفها نحو التقدم الإنساني.

لنقول بعد هذا النموذج التطبيقي: أليست هذه فكرة غرامشي البديلة عن صراع الطبقات في شكله الأساسي ونموذج التغيير العنيف؟ نحو التغيير السلمي عبر مفهومه عن "الكتلة التاريخية"، ذاتها الشعوب هي مَنْ منع الارتداد الرجعي الدموي في فنزويلا لدى تنفيذ مؤامرة الانقلاب على القائد اليساري أوغو تشافير والمرسومة بدقة من واشنطن جورج بوش الأبن.

إن المضمون هو العدالة الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، وهنا نوجه الدعوة عربياً ولمن يعنيه الأمر؛ إلى أن نتفاعل مع الهدف لا أن تتنبأ به فقط؛ والعالم يعيش الثورة العلمية والمعلوماتية والعولمة، بعد أن سقطت الجدران السياسية والايديولوجية، فالمجتمعات العربية أمام مرحلة جديدة من التحولات، خاصةً وأن الأزمة المالية (أزمة الرأسمالية الجديدة) التي تأثرت بها الشعوب العربية تضغط بقوة في سبيل تطوير القوانين للنمو والتنمية وثقافة حقوق الإنسان وتوسيع هامش الحريات، حيث إذا غاب الإصلاح وقعت الثورات.

 

س10: يعتقد كثيرون أن اليسار العربي هو أكثر الأطراف معاداة للإسلاميين إلى درجة أن هناك من يصنف اليسار في خانة أعداء الإسلام، كيف تردون على هذا الطرح؟

أعود أيضاً إلى كتابي الأخير للإجابة على هذا السؤال أيضاً؛ في الاستخلاصات التطبيقية لرؤى اليسار (متفاوت في درجة التطور والنضج، وفي أنواع الحلول غير المسبوقة وفق المعادلة الجديدة اشتراكية الديمقراطية (التعددية الحزبية والثقافية والنقابية والايديولوجية) وديمقراطية الاشتراكية في عصر العولمة، كما يعمل الكتاب على تفسير صعود المذهبية والإثنية والقبلية العشائرية والقدرية وتمثلات قديمة متخلفة وعصبوية، مصحوبة بنزاعات دموية، في العديد من الدول والتي تؤدي إلى انقسامها وتشرذم مجتمعاتها، فيشير إلى ما يتعلق بمفهوم الهوية ومن ثم مفهوم العولمة الإنسانية التي يحتاجها العالم، وبما يستدعي التفكير على الصعيد العربي والمسلم بهذه المعضلات، والتفكير بالعولمة التي نريد، وإعادة النظر بمفهوم الهوية ربطاً بالحداثة على أسس مبدئية ثابتة.

إن تجديد معنى الهوية والارتقاء بها، والعمل عربياً على مستوى حركات اليسار والتقدم على عالم متعدد الثقافات، وسياسياً متعدد الأقطاب، يقوم على توازن المصالح، ويقدم للمجتمعات المختلفة القدرة على التوازن والتغيّر واتساع الأفق والتحول. فالعولمة لا تستدعي إلغاء الهوية. ووفق النموذج التطبيقي الأمريكي اللاتيني يستخلص بروز احتياجات المجتمعات العربية لهوية قوية متفاعلة مع الحداثة، ويبرز هذا في تعداده لمناحي امتداد اليسار اللاتيني، وتسميته لأدوار نخبة القيادات اليسارية الديمقراطية، التي تتفاعل مع الخارج من منظور مصلحة شعوبها ودولها، وتعدد وتنوع مجتمعها وثقافتها في الهوية الوطنية الجامعة، وقد بلورت هذه الشعوب رؤيتها اليسارية إلى الأمام في سياق التحولات التاريخية الكبرى المستمرة، ودون أن يهتز قوام دولها، أو تمس تركيبتها الاجتماعية بالانقسامات.

في أمريكا اللاتينية لم يعترضوا على العولمة بالمعنى التبادلي الإنساني الثقافي المعرفي، بقدر ما رفضت شعوبها من موقع الممارسة سياسات العولمة الرأسمالية المتوحشة واقتصاداتها العالمية، وحققت نجاحاتها اليسارية التقدمية قبل الأزمة المالية والاقتصادية الرأسمالية العالمية الراهنة، وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية لتعزز التوجهات السياسية في مجال تحديد العلاقة بين الدولة والسوق.

وفي هذا المجال فإن رؤساء دول أمريكا اللاتينية، سبق وأن اجتمعوا في مدينة بيليم مطلع العام الجاري (كانون الثاني/ يناير)، والتحق بهم آلاف الاشتراكيين وأنصار البيئة، وأعلنوا بصوتٍ واحد: "لن تنجح النيولبرالية المتوحشة (انسحاب الدولة من الحياة الاقتصادية والرعاية الاجتماعية والصحية، اقتصاد السوق الحر والاسواق تضبط نفسها…الخ)، وستفشل في تطبيق سياساتها وقيّمها على العالم، إن تأسيس عالم آخر ممكن جداً… اليوم لقد سقط نموذج الرأسمالية المتوحشة المعولمة". وقد استبقت في معالجاتي بالكتاب المذكور التدقيق في مستقبلها، وأبكرنا في المراجعة الجذرية لسياساتها، نحو عولمة أخرى تقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتعدد القطبي.

إن التناول المجزوء للكتاب لا يعفي من الاطلاع عليه من زاوية نسقه التحليلي منذ القطيعة العربية مع المعرفة والتطور؛ منذ رسوخ "ذوات النقل على العقل" منذ عام 833 ميلادية.

هنا علينا أن نميّز جيداً بين الدين الرسالة، وبين استخدام الدين "سلطوياً ـ الحاكم العادل" من قبل أفراد أو حركة أو حزب، أي أن نميّز بين ثنائي "الرعيّة أم المواطنة"، بين "مفهوم الدولة الحديثة عربياً، وبين مفهوم السلطة"، بين "تشظي الوطن والمواطن، وبين مجتمع الدولة ودولة المجتمع"، وإلى ما هنالك فضلاً عن ما يؤدي هذا الاستخدام السياسي إلى محنة الوطن والمواطن"، فهي تصل أيضاً إلى محنة "المقدس" ذاته حين يحل البشري ذاته ناطقاً باسمه، وبالانتهازية على الدين ذاته عن سابق قصد وسوء طويّة، وبقيدٍ مختوم أحادي شمولي باسم الدين، الذي يستجلب الصراعات المذهبية والطائفية.

نحن في مسار تحرير العقل والديمقراطية والعدالة الاجتماعية نميّز بين إسلام سياسي يميني وايديولوجي يزعم انه "الحقيقة المطلقة" "ومغلق على العالم" (نظرية الفسطاطين، دار الحرب ودار السلام، الإسلام هو الحل… رفض الحقيقة النسبية في حياة البشر، والتطور التاريخي…)، وبين إسلام سياسي عقلاني اصلاحي منفتح على عالم الحداثة وحركة التطور التاريخي للبشرية.. ومن امثلته الآن حزب العدالة والتنمية التركي الجامع بين الثقافة الدينية والعلمانية والديمقراطية التعددية.

أتساءل هنا أما نموذج الإسلام السياسي في الجزائر عقد التسعينيات، ماذا لو نجح، هل سيفسح مجدداً للعملية الديمقراطية في حال فوز منافسيه!، ثم أمام منعه من الوصول للسلطة أتساءل أيضاً؛ لماذا طال نهر الدم الأبرياء المواطنين أطفالا ونساءً ورجالاً في القرى والأصقاع! ولماذا تدمير ممتلكات المجتمع والدولة؟ ثم هل ما جرى في أفغانستان قابل للحصول في بلدان عربية ما! فهذه الأحزاب تتمسك بالحاكمية "الإلهية" فكيف لها أن تخلي موقعها في العملية الديمقراطية، ثم هل ثمة حزب إسلاموي سياسي قادر بعد تجربته الدموية أن يحل نفسه علناً، معيداً بناء ذاته ومؤسساته على أسس وطنية ديمقراطية علنية من جديد، تتناسب مع أوضاع العصر والمجتمع وتطلعات ومستقبل الشعب.

المذهبية السياسية والطائفية يمكن تعريفها كالآتي: ـ هي التصرف أو التسبب في القيام بعمل بدافع الانتماء إلى مجموعة دينية معينة، للوقوف ملياً أمامها، بما لها من تأثيرات سياسية بالدرجة، ثم سحب أبناء المذهب ـ الطائفة من الحالة الطبيعية أو العادية الاجتماعية، بما هي عليه كعنصر ضمن التكوين الاجتماعي، عبر تمايزات سلوكية وتفسيرية، في إطار إحدى الديانات السائدة في المجتمع، وتحولها وأحزابها بالتالي قسراً إلى فاعل سياسي جمعي "مذهبي" بديلاً عن الأفراد المنتمين لها، وبديلاً لخيارهم الحر الواعي، لتختصر المصلحة الوطنية بمصلحة الطائفة أو المذهب. فيحتكر الحزب المذهبي ـ السياسي تمثيلها لتحقيق مصالحه باسم مصالحها العليا، ويحل المذهب السياسي مكان الدين الأساسي، ليسمو الحزب على الوطن والمواطن، ويتحول الوطن إلى سؤال عبثي، ثم لتصبح الصراعات المسلحة والعنف بين المذاهب ـ الطوائف لغة التخاطب السياسي في المرحلة التالية، بما يرافقها من إيديولوجيات تبثّها هذه الأحزاب لتدعي استرداد حقوق اجتماعية أو اقتصادية لصالح أبناء طائفتها… ألا نشاهد هذه الحالة مثلاً في العراق وباكستان وبلدان أخرى الراهن بين السنة والشيعة… الخ، والحروب الاهلية تحت راية "تديين السياسة وتسييس الدين" كما في السودان، الصومال، افغانستان قبل 2001، والآن اليمن، السعودية، وشيء من هذا في مصرالتسعينات وحتى يومنا في اندونيسيا، والحروب الاهلية والانقلابات السياسية والعسكرية في قطاع غزة "وصوملة" فصل غزة عن القدس والضفة الفلسطينية… وهكذا يأخذ صراع "تديين السياسة وتسييس الدين" مجراه العبثي المدمّر، وكله صراع ضد الحداثة والدمقرطة والعدالة الاجتماعية.

منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين تحالف العديد من الانظمة العربية والمسلمة الاقطاعية السياسية وشبه الرأسمالية مع حركات "تديين السياسة وتسييس الدين" اليمينية وتحت راية وقوانين الحرب الباردة ضد التقدميين من ديمقراطيين، ليبراليين، يساريين، اشتراكيين، ناصريين، في المدينة والريف. ولم تكن يوماً قوى التقدم وتحرير العقل والحداثة هي المبادرة في أي من هذه الصراعات والحروب، اليسار كان ولا يزال برنامجه وحلوله مفتوحة على برامج الحد الادنى والقواسم المشتركة مع احزاب وحركات الإسلام السياسي الاصلاحي والعقلاني المستنير.

الآن يعزز هذه الحالة في العالمين العربي والمسلم التركيب الزاخر بالتنوع الثقافي، من طوائف وعشائر وقبائل وملل ونحل مكونة لنسيجه، وعلى أعتاب كل حقيقة من هذه الحقائق السوسيولوجية، مشروع حرب أهلية كامنة وصموته، أمام لحظة اهتزاز عنيف لبنى الدولة، فهي مشروع كيان سياسي مُضْمَر للحزب المذهبي السياسي، يواجه رهان بناء الدولة الحديثة، وفي مواجهة صياغة الهوية الوطنية لمواطني الدولة المأمولة، بناءً على معطياتها الجغرافية، التاريخية، الاجتماعية، الاقتصادية.

إن هذا يجري في ظل حجب الوعي واستخدام ولاءات متدنية أو تحتية وانحطاطية، تستغل كـ "حالة تعويضية" يحتمي بها الأفراد بدلاً من الدولة والدستور، بإضعاف شعور الانتماء للدولة الوطنية، وتفادياً لأي نهضة مفترضة مقبلة، باستخدام قاع وعي الأفراد كبديل عن المواطنة الحقة، كارثية لا يخفيها الإسلامويون اليمينيون على اختلاف مشاربهم، من حيث طرحهم لفكرة الهوية الإسلامية بديلاً عن الوطنية، الأمر المعمم في الأدبيات باعتبار "الإسلام السياسي "يمثل جواباً وحلاً حاسماً لمشكلة الهوية ولكافة المعضلات الدنيوية، ومنذ أن قرر سيد قطب "لا وطن لمسلم، ولا جنسية، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض"، وتكفير مسألة المواطنة والهوية "فكرة الوطن الجماعة، لأنها تقسيم لبلاد المسلمين"، وصولاً إلى "الحاكمية لله وحده" وتكفير الشعوب… الخ. وحتى يوم الناس هذا وبعد مرور 75 سنة على الدولة السعودية يحّرم رجال الدين الاحتفال بالعيد الوطني لتأسيس الدولة وتحريم التعامل مع العلم والنشيد الوطني عملاً بتعاليم المذهب الوهابي (مؤسسه محمد بن عبد الوهاب / القرن التاسع عشر) والمستند إلى تعاليم ابن تيمية (القرن الثالث عشر).

يطول التشخيص، لكن الرهان على بناء دولة حديثة لن يكون من ممر الطوائف والمذاهب، فهي لا تستطيع أن تنتج سوى سلطات طائفية على شاكلتها، تكون مناخاً خصباً لنمو النزاعات والاحترابات الأصولية.

 

س11: هل من كلمة أخيرة للأمة العربية عموماً والجزائريين بوجه خاص؟

هذا السؤال جيد وتاريخي وهام، ولأنه يرتبط بالجزائر التي نحبها كما فلسطين وصنو فلسطين، فإنني أسمح لنفسي باستبدال شقيّ السؤال لأبدأ بالتوجه للجزائر.

أقمت في الجزائر حين عزّت علينا وضنّت أرض العرب من الماء إلى الماء. منذ نهاية الثمانينيات والسنوات الأولى من مطلع التسعينيات، وعلى امتداد هذا التاريخ ومنذ انطلاقة الجبهة الديمقراطية مطلع السبعينيات دائم التواصل والزيارة والتبادل السياسي مع القيادة الجزائرية، مع الرئيس الراحل هواري بومدين، والشاذلي بن جديد أمدَّ الله بعمره والأمين زروال، وتجمعني صداقة تاريخية مع الأخ عبد العزيز بوتفليقة. ومع الفعاليات ومؤسسات الشعب الجزائري وشخصياته الوطنية والحزبية، وعلى أهميته وبما نصبو له من تواصل جديد، والثابت جزائرياً هو ما يجمعني بالجزائر.

تجمعني بالجزائر وشائج متينة هي مقصدنا التاريخي بالثورة، التي لا يعلو عليها علو، ذلك الحب العارم المفعم بالآمال، وقد بدأت معي شخصياً حين كنت في مقتبل العمر وعلى مقاعد الدراسة، وفي حياة مقتبل الشباب. حين توحدنا كشبيبة على نصرة ثورتها المظفرة. مظاهرات العواصم والشوارع العارمة ضد الاستعمار الكولونيالي الفرنسي، فتقاسمنا معها كسرة الخبز من "خارجية" نفقاتنا الدراسية.

ويجمعني بها الوفاء لأبطال وصقور ثورتها الأحياء منهم والشهداء، والجزائر بلد المليون ونصف شهيد، الوفاء الذي لا يرتقي إليه وفاء، رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، ويجمعني بها نشيد "قسماً…"، نشيدها الوطني الذي ما زلنا نردده كلما جاشت بنا الذات، ومنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم كانت مقصد تشي غيفارا ونظرته لثورتها على الصعيد القاري الإفريقي، ولومومبا ونكروما وفرانز فانون على الصعيد الأممي، وعبد الناصر على الصعيد القومي العربي، واحتضن تراب أرزها الشهداء العرب.

لي بها أصدقاء كُثُرْ من أوراسها الأشم، إلى مدنها وساحلها الممتد، حتى صحرائها القارة. والجزائر قلعة الوحدة في المصير بكامل تعددها وتنوعها الثقافي، وهي مشهد ثقافي متصل كعقد فريد من الورود الجميلة؛ جزائر كاتب ياسين والأصدقاء الطاهر وطار وجميلة بوحيرد، بن هدوقة، رشيد بوجدرة، ونهر دافق من المبدعين في الثقافة في مدارسهم المتنوعة.

فلسطينياً أيضاً؛ يجمعني بالجزائر "إعلان استقلال فلسطين" الذي صيغ تحت ظلال صنوبرها الوارف عام 1988. وما من أحد من شعبنا الفلسطيني، وعلى مرّ أجيال الثورة المتعاقبة، إلا وتركت في روحه ووجدانه وقلبه تلك المحبة العميقة، كفاح ثورتها حتى أطلق على حي في نابلس جبل النار اسم حي القصبة، في تواصل لجُب سياسي ودبلوماسي ومادي ومعنوي.

سبق لها أن لعبت دوراً سياسياً محورياً في المشرق العربي والإقليمي، دوراًَ ريادياً ترك لها خبرة وتراثاً آن لها أن تستعاد، ودوراً مميزاً على الصعيد القاري الإفريقي، وفي عدم الانحياز، وكان الرئيس الجزائري الصديق بوتفليقة وزيراً مديداً ومخضرماً للخارجية، أوجه له التحية وآن لها أن تستعاد بعد أن تعافت من الإرهاب، نحن تواقون في الجبهة الديمقراطية لاستعادة هذا الدور، تواقون لبناء وحدتنا، الوحدة في الثورة والمصير والتعددية السياسية والحزبية الثقافية، نحن دعاتها وبناتها، كما الجزائر الثورة، والجزائر "قانون الوئام".

تحية إلى الجزائر في "وئامها"، تحية من أحرار فلسطين لها ولشهداء ثورتها، تحية من الأمناء بوعدهم بالاستقلال والحرية لفلسطين، تحية إلى الفضاء التعددي الجزائري الذي لا يعلو عليه علو، ولا يرتقي له سوى الوفاء المتبادل للرسالة ذاتها.

بعد قانون "الوئام" لنبني بوحدة وطنية راسخة الهوية الراسخة، بشقّيها مجتمع الدولة ودولة المجتمع، هويتنا الوطنية الراسخة.

عربياً وبكلمات قليلة؛ آن لنا أن نستيقظ، آن لنا أن نتوحد حفظاً لمصالحنا العربية، وحفاظاً على إنجاز الحلول لقضايانا…، وحتى لا يبقى العرب في الجغرافيا وخارج التاريخ الحديث.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

رأيك يهمني.. وأحترمه



شكرا لك على تشريفي بزيارة مدونتي