الزعيم الفلسطيني نايف حواتمة في حوار خاص:
"السوفيات أكدوا لي أن بومدين مات مسموما"
* تجمعني صداقة تاريخية مع بوتفليقة
* القدس تستصرخ العرب جميعاً.. فهل من مجيب؟!
* أقمت في الجزائر حين عزّت علينا وضنّت أرض العرب
* كثيرة هي المآثر الجزائرية تجاه قضيتنا
* آن للعرب أن يستيقظوا حفظاً لمصالحهم
سعدت كثيرا وأنا أتلقى رد القائد الفلسطيني الكبير نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، عبر البريد الإلكتروني على أسئلتي المتواضعة، وأكثر ما بعث في نفسي السعادة ثلاثة أمور، أولها: السرعة في الرد، على غير دأب معظم زعماء التشكيلات السياسية العربية الذين يتحججون في كثير من الأحيان بضيق الوقت وكثرة الانشغالات للتماطل في الرد على تساؤلات الإعلاميين، وثانيا: الإجابات الوافية، حيث أعطى لكل موضوع حقه، ولم يبخل بما لديه من حقائق وأفكار، وثالثا: الكلام الجميل الذي قاله عن بلدي الجزائر، وهو كلام رجل أصيل يقدر مواقف الرجال والأوطان.
وفي هذا الحوار المطول، الذي خص به "أخبار اليوم"، والذي أنجز بمساعدة الأستاذ إبراهيم أبو أشرف، ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الجزائر، يتحدث حواتمة عن رؤيته لبعض القضايا الفلسطينية والعربية، ويقدم ما لديه من معطيات حول ما يعرف بقضية تسميم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، كما يتحدث زعيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن الجزائر، وعن علاقته برئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وأمور أخرى..
أجرى الحوار: الشيخ بن خليفة
رغم المصادقة عليه؛ ما زال تقرير غولد ستون يصنع الحدث في فلسطين وخارجها، ألا ترون أن هذا التقرير الذي يفترض أنه جاء ليفضح الجرائم الصهيونية قد أدى إلى تعمق الشرخ بين التيارات والفصائل الفلسطينية بسبب تباين المواقف منه؟
نايف حواتمة: منذ اليوم الأول دعونا مجلس حقوق الإنسان الدولي إلى إقرار التقرير وإحالته أمام مجلس الأمن وأمام محكمة الجنايات الدولية، لكي لا يفلت مجرمو الحرب من سياسيين وعسكريين من المحاكمة والعقاب.
ولقد كنا أكثر من وقف بحزم ضد استخفاف السلطة الفلسطينية، من خلال موافقتها على تأجيل التصويت على التقرير، وأدنَّاه واعتبرناه جريمة سياسية وأخلاقية بحق شعبنا وضحايا الجرائم المنظمة الصهيونية في قطاع غزة، وباعتباره إرهاب وجرائم دولة، وقدنا إلى جانب العديد من الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، ولا سيّما المؤسسات والجمعيات ذات الصلة بحقوق الإنسان، تحركاً جماهيرياً واسعاً، مما سمح بإعادة التصويت.
وإننا إذ نقدّر للدول التي صوتت لتقرير "غولد ستون"، ندعوها وندعو كل الدول التي تحترم حقوق الإنسان، إلى متابعة التقرير حتى النهاية، لكي لا يفلت مجرم من العقاب.
بشأن تعميق "الشرخ الفلسطيني" كما ورد بالسؤال، فإن الانقسام الفلسطيني العبثي المدمر لا علاقة له بتقرير غولد ستون الذي كان من المفترض أن نتوحد عليه لا أن نتهرب منه لدوافع فئوية، ويندرج هذا في استغلاله في صراع المصالح الفئوية الانشقاقية.
لقد جاء التقرير ليشكل شهادة على جرائم الحرب المنظمة للدولة الصهيونية، لكنه سقط في واقع فلسطيني بالغ السوء، وواقع عربي أسوأ، فيما نراه حين يقف المجموع في حالة عجز إزاء ما تقوم به "إسرائيل" من جرائم وممارسة، تقع في خانة "جرائم ضد الإنسانية"، وفي أكثر من "مناسبة" دموية ضحاياها الأبرياء، وهنا "جرائم ضد الإنسانية"، هي على حدِّ توصيف ريتشارد فولك المقرر الخاص للأمم المتحدة في فلسطين، ولنوضح أكثر…
أن تأتي الشهادة من غولد ستون أو من ريتشارد فولك، أو من أي اسمٍ آخر ينتمي إلى الدين اليهودي، هي أقوى بكثير مِنْ أن تأتي من جهة تدقيق أُخرى على سبيل المثال، لأن الصهاينة لا يستطيعون اتهام مصدرها "باللاسامية"، أو أي شيء آخر…
لا نختلف مع أحد ـ الفلسطينيون عموماً ـ بسبب دينه أو جنسه أو ثقافته، بل نختلف مع مَنْ هو ضد وطننا وقضيتنا وإلى أي دين انتمى، وما أكثرهم ممن يدعون الإسلام، ويعملون على ضياع الحقوق والأوطان، ويدوسون على كرامة الإنسان، يدوسون على قيّم وشرف الإنسان. وفق هذه الرؤى ارتفعت قضيتنا الفلسطينية، وبالاختلاف معها انحسرت، ولِمَنْ يريد أن يدقق فليراجع تاريخ ثورتها المعاصرة، ومنطلقات فصائلها، والتاريخ الفلسطيني ماثل حتى أمام من لا يُبْصِر.
لنوضح أكثر؛ تعيش الحالة الفلسطينية في أكاذيب مصنعة شُعبوياً دون سأم أو كلل، كما تعيش على وجهها الآخر حالة مديح وتلميع مستمرة دون سأم أو كلل أيضاً، كلاهما يثير الشكوك لأنه يستبعد ويقصي النقد الموضوعي، كلاهما يغتال الحقيقة، لأن كليهما يخاف منها لأنها مسؤولية جماعية، ولأنها تتعلق بالعمل الوحدوي والجماعي، طالما أن القضية الفلسطينية وبالتأكيد هي أكبر من الأفراد، وأكبر من التحزب والفصائل، لأنها قضية الوطن والذي هو فوق الجميع.
الحقيقة اليوم محاطة بصعوبات، لأن ذكرها مدعاة مجابهة الحقيقة ذاتها بكل قسوتها وحدِّتها. ومعلومات اليوم تنتقل بسرعة البرق في فضاءات العالم، كما أن العصر لم يعد يحتاج إلى مصفقين، بقدر ما يحتاج إلى أصحاب مهنية عالية في النقد، وإلى قادة يمتلكون شجاعة الاعتراف بالواقع، مهنية موضوعية في إنتاجية وتقنية النقد حتى في التفاصيل اليومية، ممزوجة بثقافة الإقرار بالحقيقة وشجاعة الاعتراف كي لا يتكرر الخطأ، حين تعيش النخبة بشفافية عالية، بعيداً عن الديباجات التي لا أساس لها على أرض الواقع، فجمهور اليوم له آذانه وعيونه وعقله ويستطيع الوصول إلى الحقيقة مهما أُحيطت بصعوبات وأسوار، وإن كانت مسألة وقت.
ماذا تعني تناقضات حماس حول تقرير غولد ستون؛ لماذا هوجم كيهودي؟!… (جريدة فلسطين الناطقة بلسان حماس في غزة 20/9/2009)، وهمْ تغييب الحقيقة التي تكفلها الشرائع والقوانين الدولية، والتي تقول إن قطاع غزة ما زال تحت الاحتلال، وعليه الحق كله لمقاومة الاحتلال، بل لدعم حركات التحرر تحت الاحتلال، ومدِّها بكل أسباب الحياة.
بل أيضاً؛ يستطيع العرب "العاجزون" ممارسة ضغط؛ ممكن أن يكون مؤثراً نحو تغيير جزئي في الموازين التي تحكم الصراع في الفترة المقبلة، على الأقل أن يتفقوا على التعاون من أجل مقاضاة "إسرائيل" وملاحقة مسؤوليها ذوي الصلة بجرائم الحرب في محرقة قطاع غزة، اتفاق في إطار خطة للتعاون تتشارك بها نقابات المحامين والمنظمات الحقوقية الدولية، وذلك انطلاقاً من وثيقتين، وعلى درجة من الأهمية، الأولى صادرة عن الأمم المتحدة ذاتها، والثانية عن منظمة "هيومان رايتس ووتش الأمريكية" وهي إحدى أكبر المنظمات الحقوقية في العالم.
الوثيقة الأولى استخلص بها ريتشارد فولك (أمريكي يهودي) مفوض الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية إلى حقيقة وحُكُمْ مفاده أن بعض العمليات "التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة يندرج ضمن جرائم الحرب"، وأقام فولك حُكمه على تقييم دقيق ومُوثق حول عدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية"، المعيار الرئيسي لإصدار حُكُمْ عبر تعريف "جريمة الحرب" عبر القانون الدولي، وقد أُعد خصيصاً لمجلس حقوق الإنسان، ويعتبر أساساً قوياً لتحرك يستهدف فتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، وبواسطة أي سلطة قضائية أو دولية، تسمح قوانين بلادها ولوائحها المنظمة لعملها بذلك، وعلى أساس من المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض على الدول الموقعة ملاحقة مجرمي الحرب أينما كانوا وحيثما وجدوا، فضلاً عن اختصاص محاكم بعض الدول في أوروبا، وثمة تجربة وسابقة لمبادرات ذاتية لبعض المحامين العرب في قضايا الجرائم الإسرائيلية.
والثانية: تقرير "هيومان رايتس ووتش" الأمريكية وتحت عنوان "أمطار النار"، والتي ركزت على الفوسفور الأبيض خلال العدوان على قطاع غزة، كما ركزت على الإطلاق العشوائي، أي لسلاح محرم دولياً، وأثبت التقرير ذاته استخدامها…، يعزز هذا تقرير إفادات الجنود الإسرائيليين ذاتهم الذين شاركوا بالعدوان الهمجي، وقد ورد بالصحافة الإسرائيلية ذاتها، على لسان "أفراد من أهل البيت"… وهناك الكثير مما يمليه الواجب إنصافاً للضحايا وحقوقهم التي لا تسقط بالتقادم، ويمكن الاستعانة بالعديد من المنظمات الحقوقية الدولية مثل "التحالف الدولي لمنع الإفلات من العقاب".
نسأل "السلطة" في قطاع غزة؛ هل وثقت إفادات الضحايا الجرحى والمعوَّقين والمتضررين الذين ما زالوا على قيد الحياة؟ هل وثقت للضحايا الشهداء من المدنيين بإفادات الشهادات الحيّة من العائلات والأُسر والأقارب والمعارف والجوار؟ ونقصد هنا شهادات مدونة ومكتوبة ومصورة، موثقة بأبعادها القانونية، أليس من الأجدر تقديمها لبرلمانات العالم، حيث وجدت، وعلى الأقل للبرلمان الأوروبي وللكونغرس الأمريكي، وبثّها في الفضائيات الغربية، مهما كلفت مالياً.
كيف يمكن لنا أن نضع "إسرائيل" تحت ضغط سياسي أخلاقي حقيقي، وبداية لوقف "الاستجداء" اليميني العربي والفلسطيني للمواقف، والإمساك بزمام المبادرة في سياق معادلة الصراع، وفي سياق الجهود لتسويته، طالما أن "السلام خيار إستراتيجي" عربي… !
س2: سبقت لكم الإشارة إلى أن حقوق المدنيين وفق القانون الدولي تشترط محاكمة مجرمي الحرب، وأن الذين ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية في حرب "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة يجب أن يحاكموا… هل تعتقدون أن هذا "الحلم" ممكن التحقيق؟
منذ النكبة الكبرى 1948 وحتى اليوم؛ المجازر الصهيونية متواصلة، جرائم حرب بامتياز في فضاء دموي ووحشي صهيوني منقع بدماء الأبرياء، وضد كل ما هو إنساني، أو يمت بصلة للإنسان الفلسطيني، دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، تكسير العظام في الانتفاضة الأولى، مجزرة الحرم الإبراهيمي، مجزرة قانا، مجزرة مخيم جنين، محرقة غزة..
تتعدد أسماء أبطال الإجرام الصهيوني، وتتناسل من دهاقنة الفكرة العنصرية، مروراً بالمجرم شارون في مجزرة صبرا وشاتيلا، ضد الشعب الفلسطيني في مخيمات بيروت التي تعرض أهلها لـ "الترانسفير" والاقتلاع من وطنهم، وصولاً إلى سدنتها الراهنين بيريز وباراك وأولمرت وليفني في هولوكوست غزة 2009، والمجازر لم تتوقف بعد.
في استمرار المذبحة والجنون العنصري البربري؛ تبرز اليوم مجازر نتنياهو رئيس الحكومة الصهيونية المتطرفة؛ بحق الشجر والحجر والبشر في الضفة الفلسطينية والقدس وقطاع غزة، ويقوم الجيش الصهيوني بمصادرة المنازل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لصالح سعار الاستعمار الصهيوني والجدار العنصري.
وتحفل أيضاً المشاهد بالصمود والتضحية الفلسطينية والتي قلّ نظيرها في هذا العالم، المقاومة الوطنية الفلسطينية الباسلة ضد جبروت الاحتلال واختلال موازين القوى لصالحه، بل إن مجازره بما فيها مجزرة صبرا وشاتيلا لم تدخل في مدونات التاريخ العربي الرسمي الذي يكتفي بموقف الإدانة وضرب الأخماس بالأسداس.,,
في الذكريات الأليمة التي لن تمحى من الذاكرة الإنسانية، نطالب جميع المؤسسات الحقوقية العربية والأممية، بتحريك الدعاوي ضد مرتكبي مجازر الحرب الدموية، وتقديمهم للعدالة في محكمة جرائم الحرب الدولية "لاهاي". وأمام العالم تقرير لجنة الأمم المتحدة بارتكاب جرائم حرب أثناء محرقة غزة، وصرحت سفيرة "إسرائيل "في الأمم المتحدة غابريلا شاليف :"سنفعل كل ما بوسعنا لمنع أية ملاحقات قانونية نتيجة التقرير"، وفي وسط حالة من الهستيريا الإعلامية - السياسية التي تعمها ـ إسرائيل ـ انهمك نتنياهو باجتماعات متلاحقة مع وزير خارجيته وعدد من المستشارين السياسيين والقانونيين، في محاولة لاحتواء آثار تقرير لجنة الأمم المتحدة.
فهي ذاتها "إسرائيل " تدرك إمكانية.. وتخشى جرّ قادتها إلى محكمة "لاهاي".
"وحلم محاكمة مجرمي الحرب" ممكن وممكن جداً أن يتحقق وله شرطان أساسيان الأول "إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية عملاً بقرارات الحوار الشامل الذي تراجعت عنها حماس وفتح منذ مارس 2009 حتى الآن والثاني: لجنة من الرؤساء والملوك العرب تضع خطة ملموسة لصياغة العلاقات مع واشنطن وفق معادلة مصالح أمريكا مقابل المصلحة العربية المشتركة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية تجاه شعب فلسطين بتقرير المصير والاستقلال وعودة اللاجئين ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.
س3: حتى الآن عجزت فصائل المقاومة الفلسطينية من جهة، والسلطة الفلسطينية من جهة ثانية عن إنهاء خلافاتها، هل يمكن الطموح لتحرير الأرض قبل توحيد الصف؟ وما هي قراءتكم لأسباب هذه الخلافات؟
خبرة التاريخ، وقانونية حركات التحرر، وخلاصة خبرة الثورة الجزائرية العظيمة، تقول بالوحدة الوطنية في جبهة تحرير وطني موحدة، تتسع ديمقراطياً لكل طبقات وفئات الشعب الوطنية التي تعمل على دحر الاحتلال، نحو وطن حر مستقل وسيد؛ هذه هي منطلقاتنا.
حرصت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مع انطلاقتها أن تكون من بين الركائز الأساسية في أول ائتلاف وطني لتوحيد العمل الفدائي بقيادة "الكفاح المسلح"، وفي مؤسسات منظمة التحرير وعضوية المجلس الوطني واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه (الدورة السادسة في أيلول/ سبتمبر 1969)، وتقدمت إلى هذه الدورة "بمشروع لتحقيق وحدة القوى والفئات الوطنية الفلسطينية في جبهة تحرير وطني موحدة". وحفزت الظروف الصعبة التي تجمعت عن أحداث أيلول/ سبتمبر 1970، على إدراك ضرورة الارتقاء بصيغة الوحدة الوطنية، وأبرزت أن "الجبهة المتحدة" المطلوبة هي في الواقع تلك التي تضم جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، والمطلوب بناؤها على أسس أكثر تنظيماً ومتانة، وعلى قاعدة التمثيل النسبي الكامل، وتبلورت هذه الصيغة في المشروع الذي تقدمت به الجبهة إلى الدورة التاسعة للمجلس الوطني (تموز/ يوليو 1971) لبناء "جبهة تحرير وطنية فلسطينية متحدة"، وفي المشروع السياسي والتنظيمي المتكامل لإنجاز الوحدة الوطنية في إطار جبهة متحدة على أسس ديمقراطية الذي تقدمت به لاحقاً إلى الدورة العاشرة للمجلس الوطني ( نيسان/ إبريل 1972).
وواصلت الجبهة السياسة الوحدوية الديمقراطية التعددية بقوانين التمثيل النسبي في قرارات إعلان القاهرة (آذار/ مارس 2005) ووثيقة الوفاق الوطني (غزة / يونيو/ حزيران 2006) ودورات المجلس المركزي لمنظمة التحرير (حزيران/ يونيو - تموز/ يوليو 2007، كانون الثاني/ يناير 2008).
تجربة الجبهة الديمقراطية في استقلالها الفكري والسياسي والتنظيمي وفي حفاظها على الوحدة الوطنية بنفس الوقت، تؤكد العلاقة الحيّة لليسار الثوري الديمقراطي الفلسطيني في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، فهذا اليسار لم يستقل لينعزل، إنما ليندمج في الوحدة الوطنية اندماجاً ثورياً وديمقراطياً صحيحاً، وليلعب دوره في إطار هذه الوحدة كطليعة مناضلة تملك الخط السياسي الصحيح الذي من خلاله تتحدد الشعارات الوطنية والمهام المرحلية التي تنسجم مع المصلحة الجماعية للشعب الفلسطيني بأسره.
الموقع المركزي الذي احتلته مسألة الوحدة الوطنية في الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية وممارستها لم تبرز وتتقدم فقط في السنوات الأولى أثناء فترة العمل العلني في الأردن وعلى امتداد تجربة الثورة في مخيمات الشتات في لبنان وسوريا حتى اجتياح العام 82، بل برزت بشكل واضح في زمن الانقسامات الحادة التي اجتاحت الساحة الفلسطينية بعد هذه الحرب ضمن تداعيات الغزو الإسرائيلي وصراع المحاور الإقليمية للتأثير بقرار منظمة التحرير الفلسطينية، ومحاولات الجناح اليميني المتنفذ في قيادتها الرسمية البحث عن نقاط تلاقي في منتصف الطريق مع مشاريع التسوية التي طرحت في مطلع الثمانينات لا سيما مشروع ريغان (1/9/82).
اتخذت الجبهة الديمقراطية موقفاً حاسماً ضد الانقسام الفلسطيني على امتداد السنوات 83 ـ 87، ولعبت دوراً مبادراً في التحالف الديمقراطي الذي وقع مع قيادات اللجنة المركزية لحركة فتح على اتفاق اليمن (عدن) ـ الجزائر (28/6 و 9/7/84)، هذا الاتفاق الذي وإن لم ينجح في إعادة الوحدة ومنع انفراد جناح اليمين ويمين الوسط الرسمي المتنفذ في م. ت. ف. بالدعوة للدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني في عمان (17/11/84). حيث عارضت الجبهة نتائج مجلس عمان السياسية التي شكلت انقلاباً على برنامج حق تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة وحق تمثيل م.ت.ف للشعب الفلسطيني وما انبثق عنه من صيغ تنظيمية انقسامية، لكنها في الوقت نفسه تصدت بحزم لمحاولات الطعن بشرعيته خوفاً مِنْ ودرءاً لمخاطر انقسام لا رجعة عنها داخل م. ت. ف. تزجها على نحو غير مسبوق في حقل التجاذبات العربية وصراعات محاورها، وتزيل بفعل ذلك العقبة الأهم أمام تقدم الحلول المنقوصة للحقوق الوطنية برعاية الولايات المتحدة. لهذا شكل المجلس التوحيدي الذي انعقد في الجزائر (نيسان/ابريل 1987) محطة فائقة الأهمية وطنياً حققت انتصاراً لسياسة الجبهة الوحدوية، وتوفرت معها إحدى العوامل الرئيسية لانعقاد شروط انطلاقة الانتفاضة الشعبية الكبرى في ك1 / ديسمبر 1987 وتشكيل "القيادة الوطنية الموحدة" للانتفاضة بمبادرة من الجبهة الديمقراطية وضمت فتح، ديمقراطية، شعبية، حزب شيوعي، وقدمت الجبهة الديمقراطية برنامجها الموحّد، برنامج "الحرية والاستقلال" وصدر هذا في البيان رقم 2 للقيادة الموحدة وصاغته الجبهة الديمقراطية (راجع كتاب حواتمة "اوسلو والسلام الآخر المتوازن").
الاختبار الثاني الذي تعرضت له الوحدة الوطنية أتى على يد اتفاق أوسلو عندما أطاح بالإطار السياسي لائتلاف م.ت.ف. فواصلت الجبهة سياستها التوحيدية بثبات وأطلقت عدداً من المبادرات في سياقها السياسي الملموس دارت بمجملها حول الحوار الوطني الشامل من أجل استعادة الإجماع الوطني حول القضايا الراهنة ومفاوضات الوضع الدائم وإعلان استقلال دولة فلسطين على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 بعد أن وصل أوسلو إلى نهايته القانونية في أيار/ مايو1998. وأطلقنا مبادرات عديدة من حقيقة أن السمة الأساس للحركة الفلسطينية باعتبارها ما زالت تقف أمام مهام التحرر الوطني، رغم تداخلها بعد تطبيقات اتفاق أوسلو مع مهام النضال الديمقراطي السياسي والاجتماعي، تملي ـ موضوعياً ـ صون الائتلاف الوطني والنضال من أجل استعادة الوحدة الوطنية في إطار م. ت. ف. والانقسام القائم بين "السلطة الفلسطينية" والمعارضة لا يلغي من حيث الجوهر هذه الحقيقة وأن طبعها بخصائص معينة.
الاختبار الثالث يتواصل حتى يومنا بعد سلسلة الانقلابات والتراجعات السياسية والتنظيمية الانقسامية عن إعلان القاهرة (آذار / مارس 2005)، وجولات الاقتتال والانقلابات السياسية والعسكرية عن برنامج وثيقة الأسرى – وثيقة الوفاق الوطني (حزيران / يونيو 2006 في غزة) والتي قادت إلى انهيار اتفاق ا
المزيد